الشيخ محمد رشيد رضا
478
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أو غيرها - إذ المدار على عدم تبدل الذرات ، وأحل الذرات في تلك الهياكل وبتعلق الروح بها تقوم فيها وفي هياكلها الحياة ، ويقوم البشر في النشأة الآخرة كما كانوا في هذه الدار ، وجميع ما تقدم يمكن ان يكون حاصلا في بقية الحيوانات غير الانسان في جميع تفصيله » ثم ضرب للماديين الأمثال المبة لذلك بأنواع جنة الاحياء الخفية « الميكروبات » وحياتها في الماء وغيره على كثرتها بنظام غريب ودخول المرضية منها في أجساد المرضى وسريانها في دورة الدم ، وبالحيوانات المنوية منها في المني الذي ينفصل من الأنثيين ويلقح بذور الأنثى - وقال بعد تلخيص ما قالوه في صفتها وقدرها وحركتها - : فأي مانع أن تلك الحيوانات المنوية جعلها الخالق تعالى تحمل ذرات بني آدم التي هي أصغر منها وتسير بها في السائل المنوى حتى تلقيها في البزور المنفصلة من مبيض الام ؟ . . . ثم علل بهذا كون الانسان ينتقل من الأب إلى الام خلافا لقولهم إن الانسان من بزرة أمه وليس لأبيه منه الا مجرد التلقيح ثم ذكر عمل القلب وتعليلهم لحركته المنتظمة واستظهر أنه هو مركز الذرة الانسانية وأنها بحلول الروح فيها تتحرك تلك الحركة المنتظمة التي تنشأ عنها دورة الدم ، وبعد ايضاح ذلك قال : « وخلاصة ما تقدم أن الانسان الحقيقي على هذا التير هو الذرة التي تحل في القلب وتحل فيها الروح فتكسبها الحياة وتسري الحياة إلى الهيكل ، ثم الهيكل انما هو آلة لقضاء أعمال تلك الذرة في هذا الكون ولاكتساب معارفها بسببه ، وتلك الذرة مع الروح الحالة فيها هي المخاطب بالتكليف والمعاد والمنعم والمعذب - إلى آخر ما ورد في حق الانسان « وعلى هذا التير نجد أن الشبه التي وردت على ما جاء في الشريعة المحمدية من البعث وسؤال القبر ونعيمه وعذابه وحياة بعض البشر في قبورهم ونحو ذلك سقطت برمتها كما يظهر بالتأمل الصادق واللّه أعلم » ثم أورد على هذا أن بعض النصوص صريحة في إعادة الهيكل الانساني أو بعضه كالعظام - كما تقدم مثله عن السعد - وأجاب بأن هذه النصوص وردت لدفع اشكالات أخرى كانت تعرض لأفكار أهل الجاهلية في اعادتها ، إذ عند ذكر البعث لا تنصرف أفكارهم الا إلى إعادة هذا الهيكل المشاهد لهم ، فيقولون كيف تعود الحياة للعظام بعد ان تصير رميما ؟ فتدفع هذه النصوص اشكالاتهم بقدرة اللّه الشاملة